وهبة الزحيلي
228
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
القاعدين من غير عذر ، ذكر هنا حال قوم لم يهاجروا في سبيل اللّه ، لاستضعاف الكفار لهم ، مع أنهم ليسوا ضعفاء في الحق والواقع ، فلا عذر لهم في ترك واجب الهجرة من مكة إلى المدينة حينما كان واجبا في صدر الإسلام ، بسبب شدة أذى الكفار للمسلمين ، وإلجائهم إلى الهجرة إلى الحبشة ، ثم الهجرة إلى المدينة مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهاجر بعض المسلمين ، وقعد بعضهم في مكة حبا لوطنه ، وكان بعضهم مستضعفا عجز عن الهجرة لمرض أو كبر أو جهل بالطريق ، وبعضهم هاجر ومات في الطريق . التفسير والبيان : إن الذين تتوفاهم الملائكة حين انتهاء آجالهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم بترك الهجرة ، ورضاهم الإقامة في دار الشرك ، تقول لهم ( أي للمتوفين ) الملائكة توبيخا لهم وتقريعا : في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ أي إنهم لم يكونوا في شيء منه ، لقدرتهم على الهجرة ولم يهاجروا . وهؤلاء كانوا ناسا من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة . فقالوا معتذرين عما وبخوا به بغير العذر الحقيقي : كنا مستضعفين ومستذلين في مكة ، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته ، وهذه حجة واهية لم تقبلها الملائكة ، فردوا عليهم المعذرة قائلين : ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها ؟ المراد أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، ومن الهجرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة . وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة شعائر